منوعات
13/11/2013 - 02:43:39 am
| مشاهدات 717 |
الكوريتان.. فرقتهما حرب وجمعتهما طاولة
الكوريتان.. فرقتهما حرب وجمعتهما طاولة

أتريد الذهاب إلى «دي إم زي؟». يسألك عامل الفندق بأدب جم. حسناً، نحتاج إلى صورة جواز سفرك لإرساله مسبقاً إلى السلطات لأسباب أمنية روتينية. لو لم يأت موظف الفندق على ذكر «الأسباب الأمنية» لاعتقدت للوهلة الأولى أنه يتحدث عن نزهة إلى مدينة ألعاب إلكترونية في عاصمة كوريا الجنوبية سيؤول، وليس المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين، «دي ميليتارايزد زون»، التي توصف بأنها أخطر حدود في العالم وأكثرها تحصيناً.

لا يكاد المرء يصدق أو يتخيل كم هو قريب من المنطقة إياها وهو في سيؤول، حيث تضج الحياة بالحركة والنشاط. فما إن تعبر بك السيارة الطريق السريع الذي يخرجك من المدينة، حتى تلاحظ انتشار النقاط العسكرية الشاهدة على أكثر من نصف قرن من النزاع في شبه الجزيرة الكورية. وفي الواقع، لا يستغرق الأمر سوى أكثر بقليل من ساعة لتصل إلى المنطقة منزوعة السلاح.

شعور سريالي انتابني لمجرد رؤية لافتات الطريق وهي تشير بسهمها إلى الأمام: بيونغيانغ.. تلك العاصمة التي لا تشبهها أي عاصمة، لدولة لا تشبهها أي دولة. الطريق إلى الحدود الكورية الشمالية يدعى «طريق الحرية»، وإلى جانبه نهر أمجين الذي يعبر المنطقة العازلة، وتسكنه الأسلاك الشائكة والمواقع العسكرية في تذكير بأن للحرية ثمناً باهظاً حقاً.

نهر ومرصد

يزيد من حالة عدم الارتياح التي تعتريني التسمية التي أطلقها الكوريون على النهر.. «نهر الموت». والسبب، هو الأعداد الكبيرة التي توفيت وهي تحاول عبوره إلى الجنوب طلباً للجوء، خاصةً خلال فترة المجاعة في تسعينيات القرن الماضي. يسير الجنود الكوريون الجنوبيون على المراصد جيئة وذهاباً في حركة منتظمة، وهم يترقبون الموت القادم من الشمال. ليس فقط طالبو اللجوء من كانوا ضيوف النهر، بل أيضاً الجواسيس الذين أطلقتهم بيونغيانغ لكي يسرقوا «مؤامرات» الجنوب. يدُلّك طرفا الحدود على الفرق الكئيب بين تجربتي الكوريتين.

فوراء النهر شمالاً مناطق جبلية جرداء، اجتُثت أشجارها لكي لا تحجب على ما يبدو «شمس كوريا الساطعة»، كما يلقب الزعيم الحالي كيم جونغ أون، وأقيمت بدلاً منها قرية وهمية غير مسكونة، بأبنية مطلية بلون أبيض باهت لإعطاء الانطباع أن الحياة لا يمكن أن تكون أفضل في مكان آخر. وعلى النقيض، تكثر المناطق الخضراء ومزارع الأرز والبيوت الأنيقة في القسم الجنوبي، في انتصار لإرادة الحياة والتحدي. وكما أن هناك طريقاً للحرية، فهناك أيضاً «مرصداً للوحدة» يطل على النهر باتجاه الشمال، مهمته طبعاً التأكد من أن الجار الشيوعي لا يسعى إلى الوحدة على طريقته الخاصة.

أنفاق الغزو

حينما وصلت إلى مستهل الرحلة، اعتقدت في البداية أن مرافقتي الكورية ضلت الطريق، أو أن لغتها الإنجليزية المتواضعة لم تسعفها في فهم مبتغاي. ركنت سيارتها في ساحة واسعة، وتوجهت إلى شباك تذاكر إلى جانبه متجر يبيع الفشار وغزل البنات والمرطبات، وطلبت تذكرة للركوب في عربة قطار كهربائي. بداية غير متوقعة في منتجع أمجينجاك الواقع في مدينة باجو في المنطقة منزوعة السلاح، والذي يضم مسبحاً على شكل شبه الجزيرة الكورية، ومطاعم وسطح مراقبة، بل وحتى مدينة ملاهي!!. وسرعان ما تبين أن تلك التذكرة مخصصة للنزول في نفق هو أشهر أربعة بَنَتهم كوريا الشمالية لغزو سيؤول.

الأول اكتُشف في نوفمبر 1974، والثاني بعده بشهور، والثالث (مقصدنا) في أكتوبر 1978، في حين عثر على الرابع في مارس 1990. يبعد النفق الثالث 44 كيلو متراً فقط عن سيؤول، وطوله 1635 متراً بعمق 73 متراً تحت الأرض وعرض 210 سنتيمترات وارتفاع 195 سنتيمتراً في أعلى نقطة. لم أعلم على وجه الدقة في ما إذا كان الكوريون الشماليون تعمدوا أن يكون علو معظم خط سير النفق حوالي متر ونصف لإجبار من يكتشفه على الانحناء وهو يتجه نحو أراضيهم، أم أن الأمر لا يعدو عن كونه صدفة أملتها قصر قامة هؤلاء؟!!.

تلاحقك أجهزة المراقبة وإشارات التحذير من مغبة التصوير أينما سرت. لكن لمراقب فضولي آت من الشرق الأوسط لم يكن بالإمكان مقاومة الرغبة في التقاط صورة نادرة من هاتفي الجوال لنهاية النفق المسدودة بحائط خرساني، لا تبعد خلفه كوريا الشمالية سوى عشرات الأمتار، بعدما اضطررت إلى ترك آلة التصوير في خزانة مخصصة قبل النزول إليه. سألتني مرافقتي إن كنت مصاباً برهاب الأماكن الضيقة؟، فأومئت برأسي نافياً، إذ إن «فوبيا الدكتاتوريات» لعمري أسوأ أنواع الرهاب.

بعد العودة إلى سطح الأرض، لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بالسرور لرؤية النور ومشاهدة صبية ولدوا بعد انهيار الشيوعية يلتقطون الصور التذكارية إلى جانب شعار «دي إم زي» و«جسر الحرية» ومجسم «كرة السلام» الأرضية، فيما يركض أطفال هنا وهناك وسط ضحكات طلاب نظمت لهم مدارسهم رحلات إلى المنطقة، ما تلبث أن تقطعها فجأة مسيرة تأبين صامتة لأقارب جندي كوري جنوبي قتل خلال الحرب يحيون ذكراه حاملين صورته في مقدم الجنازة الرمزية، وهم يرتدون الملابس الكورية التقليدية، في تذكير جديد بأن للحرب وجهين، وللمنطقة العازلة وجهين أيضاً.

حرب الأعلام

لو قيض للكاتب الإنجليزي المعروف تشارلز ديكينز العيش في القرن العشرين، لكتب من دون شك رواية «قصة قريتين» عن قريتي دايسيونغ دونغ في كوريا الجنوبية، وجيونغ دونغ في الشمال، بدلاً من «قصة مدينتين» عن لندن وباريس. فالقريتان هما الوحيدتان اللتان تقعان ضمن «دي إم زي»، مع ميزات مشجعة لسكان دايسيونغ دونغ، مثل الإعفاء من دفع الضرائب، تتوازى مع قيود تتمثل في حظر التجول بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً. وليس ذلك فحسب، فهما اشتهرتا لكونهما حملتا لواء «حرب الأعلام» التي اندلعت قبل نحو ثلاثة عقود.

فحينما بَنَتْ سيؤول سارية علم في دايسيونغ دونغ بطول 98 متراً، ردت عليها بيونغيانغ فوراً ببناء سارية بطول 160 متراً على بعد كيلومتر واحد فقط من الحدود. ولعل تسمية الجنوبيين للقرية الشمالية بـ «قرية البروباغندا» مرده إلى مكبرات صوت نصبت فيها وبثت لساعات طوال أغاني وطنية ونداءات دعائية وأخباراً مضادة.

ولكن اليوم، لا يسمع الزائر سوى صرير جنادب الحقل في ظهيرة يوم خريف أو صوت محرك حافلة آت من بعيد في كيونغ دونغ تنعكس أشعة الشمس على سطحها فترسل إشارة ضوئية حادة إلى المتمترسين فوق منصة المشاهدة من الشطر الجنوبي، فلا يدري فيما إذا كان ذلك صدفةً بحتة أم من أحابيل الشمال.

تحية وحدود

في الطريق إلى «المنطقة الأمنية المشتركة» في بلدة بانمونجوم غير المأهولة، تسير الحافلة بسرعة وانسيابية غير متوقعة، وكأنها على حلبة «فورمولا 1» بالنظر إلى الحواجز العسكرية التي تم نصبها بطريقة متعرجة، تجعل هامش المناورة صعباً للغاية، اللهم إلا للمتمرسين جداً في فن السياقة. لاحظت أن كافة الجنود الكوريين الجنوبيين المنتشرين على طول الطرق ومفترقاتها عبر المنطقة العازلة يتقصدون تأدية التحية العسكرية للعابرين، سواء في السيارات المدنية أو العسكرية. راقتني فكرة أن يؤدي جندي كوري التحية إلي، فاقتربت من أحدهم لأتلمس توتر أعصابه، طالباً منه التقاط صورة تذكارية، ليفاجئني بجواب إيجابي مصحوب بابتسامة عريضة، أزالت قسمات التجهم التي طبعت وجهه.

«أحرص على ألا تذهب إلى كوريا الشمالية!!».. قالت مرافقتي مازحةً، وإن بدت على وجهها علامات القلق. ليس لأني أنتمي إلى بلد يحكمه نظامٌ هو أحد أنظمة قليلة تعترف بـ «جمهورية كوريا الديمقراطية»، بل لأن الكثيرين ضلوا طريقهم فعلاً، ووجدوا أنفسهم على حين غرة في حضرة جنود كوريين شماليين. فالحدود هنا لا تعدو عن بضعة خطوات يمنةً أو يسرة تنتهي في الجانب الخطأ، من دون نسيان الحوادث المتكررة لضحايا الألغام المتناثرة في المنطقة.

بلدة بانمونجوم

هدوء مريب يخيم على بانمونجوم، يقبض على الأنفاس، ولا ينقصه سوى موسيقا تصويرية لفيلم رعب هيتشكوكي لتكتمل الصورة. كل شيء هنا إذاً يتصل بالحرية والسلام. «طريق الحرية».. «جسر الحرية».. «قرية السلام».. مجسم «كرة السلام» الأرضية.. ولا شيء يمت بصلة في كوريا الشمالية بالحرية ولا بالسلام بين الجانبين.

يشعر الزائر أن الأعصاب مشدودة على مدار الساعة، وكأن الوغى على أشدها، أو أن استنفار الحراس يُفهم منه انتظارهم لأوامر قد تأتي بين لحظة وأخرى للتحرك. لكن على مسافة 53 كيلومتراً فقط إلى الجنوب، تسير الحياة بهدوء مشوب بنشاط الآسيويين في سيؤول، وعلى بعد 143 كيلومتراً يعيش سكان عاصمة الجمهورية «الديمقراطية» بكسل النظام الشيوعي المعهودين.

وبانمونجوم، التي كانت موقع محادثات الهدنة التي أنهت الحرب الكورية العام 1953، أصبحت نقطة اتصال بين الكوريتين، وبين الممثلين العسكريين الأميركيين ونظرائهم في الدولة الشيوعية، ويتقاسم حراستها قوات كوريا الشمالية في جانبها، وقوات كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في الشطر الجنوبي.

«أمامهم جميعاً»

قد يصح شعار «أمامهم جميعاً»، الذي تستخدمه «سلطة الأمم المتحدة»، لوصف الحالة على الحدود بين الكوريتين، حيث دائماً ما يواجه جنود المنطقة بعضهم البعض. لكن سرعان ما يتضح أن مشاعر الحرب الباردة التي تخيم على المنطقة العازلة باتت عادة أكثر منها حاجة، وأن كل طرف يعرف حدوده التي لن يتجاوزها سوى أولئك القادمين من بلاد بعيدة للفرجة، خاصة أن المنطقة تدر أرباحاً على الطرفين من عشرات آلاف السياح الآتين من حول العالم. حينما رجعت إلى سيؤول، تبين لي مدى قلة اكتراث الكوريين الجنوبيين بما يحصل شمالاً.

الكثيرون ينظرون إلى المسألة على أنها قطعة تذكارية من الماضي تصلح لالتقاط الصور لا أكثر، أو جزءاً منسياً من التراث. ضوضاء المدينة وأضواؤها تعمل على تذكير الجميع أن أحداً لا يمكنه إيقاف عجلة الحياة التي تدور بسرعة فائقة لدى الجنوبيين، الذين يتندرون بأن أقرانهم في الشمال لا يرتدون ساعات يد، لأن الزمن توقف بالنسبة إليهم منذ أن استلم جد زعيمهم الحالي مقاليد الحكم.

 

«جاهزية مقاتل التايكوندو».. هكذا تُحرس الحدود

بزيهم العسكري الذي يمزج بين اللونين الزيتي والرمادي، يستنفر الجنود الكوريون الجنوبيون خلف ثلاث أبنية زرقاء، تقطعها الحدود في منتصفها، بشكل يظهر معه نصف جسمهم فقط في حركة تسمح لأيديهم غير الظاهرة بالإشارة إلى زملائهم بأن ثمة خطب ما، في حال الخطر. تنفع الرياضة في مثل هذه الأوضاع، إذ إن الوضعية تسمى «جاهزية مقاتل التايكوندو». ولا غرو، فعلى الجندي أن يكون حاصلاً على الحزام الأسود في اللعبة القتالية. الأقدام متباعدة.. الظهر مشدود.. الرأس مرفوع.. الأيدي على جانبي الجسم.. وقبضة اليدين مغلقة بإحكام مع النظر إلى الأمام باستقامة.

وداخل تلك الأبنية، التي تحتوي على بضع طاولات بنية اللون، وضع على أكبرها علم الأمم المتحدة وسلك ميكروفون يعتبر الفاصل الحقيقي بين الدولتين، وأمام الباب المؤدي إلى الشمال، يقف الجندي الكوري الجنوبي كالتمثال الأصم، يخفي مشاعره خلف نظارات سوداء تمنعه من النظر مباشرةً عبر النافذة في عيون نظيره الكوري الشمالي الذي، وعلى غير المتوقع، يبدو أكثر استرخاءً.

جنود وأدلاء

في بانمونجوم، يتحول الجنود الأميركيون إلى أدلاء سياحيين وقت السلم، يسعون إلى التخفيف من حدة التوتر عبر إلقاء النكات عن هشاشة الحدود بين الجانبين، واستفزازات الجنود الكوريين الشماليين على الطرف الآخر، من قبيل القيام بحركات غير لائقة أو تعمد التقاط الصور للجنود الأميركيين والكوريين الجنوبيين، والتجسس علناً عبر المناظير والكاميرات حتى على الزائرين.

«في هذا الجانب من الطاولة تقع كوريا الشمالية.. وإلى الجانب الآخر كوريا الجنوبية»، يقول جندي أميركي محاولاً إظهار روح النكتة التي لا يشتهر بها الأميركيون بأي حال من الأحوال، لتصدر ضحكات خافتة من الحاضرين الذين بدوا وكأنهم مجبرون على التفاعل معها، ليس إرضاءً للجندي فحسب، بل وللتقليل من قلقهم أيضاً، الذي يزيده فحوى «تصريح الزوار» الذي ينبغي التوقيع عليه، وينص على أنك تعي دخولك إلى منطقة عدائية «قد تُصاب أو تقتل فيها!!»، ويطلب منك كذلك «عدم التلويح إلى الجنود الكوريين الشماليين أو التحدث إليهم أو ارتداء ملابس غير مناسبة أو القيام بإيماءات يمكن أن يستغلها الجانب الكوري الشمالي كمادة دعائية ضد سلطة الأمم المتحدة».

تنسى محظورات التصوير التي تطل برأسها بطريقة أكثر فجاجة في بانمونجوم لتتفكر في حرب نووية لا تبقي ولا تذر قد يشعلها سوء فهم عابر. هنا، يدرك المرء تماماً معنى ذلك الخط الأبيض أو اللوح الإسمنتي المسمى حدوداً، حيث لا مجال لتدخين سيجارة أو استراحة محارب أو التمتع بجمال المناظر الطبيعية.

 

جسر اللا عودة

في «المنطقة الأمنية المشتركة» يقع جسر يسمى «جسر اللا عودة». سبب التسمية يعود إلى أنه استُخدم لتبادل الأسرى بين الكوريتين. من يعبر الجسر نحو الطرف الآخر من الحدود، كان يعلم أن لا سبيل لعودته مجدداً. البيان

| مشاهدات 717 |
المزيد من المنوعات

التعليقات تعبر عن أراء اصحابها وعلى مسؤوليتهم ولا تعبر عن رأي ادارة موقع جيران دير الاسد

تعليقات
الاسم/الكنية:
التعليق :
اعلانات تجارية
اعلانات تجارية
اعلانات تجارية
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com